الجاحظ
135
رسائل الجاحظ
الغريزة لا تنال ذلك بنفسها [ بل ] بما باشرته حواسها دون النظر والتفكر والبحث والتصفح ، ولن ينظر ناظر ولا يفكر مفكر دون الحاجة التي تبعث على الفكرة وعلى طلب الحيلة . ولذلك وضع اللّه تعالى في الانسان طبيعة الغضب وطبيعة الرضا والبخل والسخاء والجزع والصبر والرياء والاخلاص والكبر والتواضع والسخط والقناعة ، فجعلها عروقا ، ولن تفي قوة غريزة العقل لجميع قوى طبائعه وشهواته حتى يقيم ما اعوج منها ويسكن ما تحرك دون النظر الطويل الذي يشدها والبحث الشديد الذي يشحذها والتجارب التي تحنكها والفوائد التي تزيد فيها . ولن يكثر النظر حتى تكثر الخواطر ، ولن تكثر الخواطر حتى تكثر الحوائج ، ولن تبعد الروية إلا لبعد الغاية وشدة الحاجة . [ 10 - العقل وحده لا يكفي في تحصيل المعرفة ] ولو أن الناس تركوا وقدر قوى غرائزهم ولم يهاجوا بالحاجة على طلب مصلحتهم والتفكر في معاشهم وعواقب أمورهم وألجئوا إلى قدر خواطرهم التي تولدها مباشرة حواسهم دون أن يسمعهم اللّه خواطر الأولين وأدب السلف المتقدمين وكتب رب العالمين لما أدركوا من العلم إلا اليسير ولما ميزوا من الأمور إلا القليل ، ولولا ان اللّه تعالى أراد تشريف العالم وتربيته وتسويد العاقل ورفع قدره وأن يجعله حكيما وبالعواقب عليما لما سخر له كل شيء ولم يسخره لشيء ولما طبعه الطبع الذي يجيء منه أريب حكيم وعالم حليم ، كما أنه عز ذكره لو أراد ان يكون الطفل عاقلا والمجنون عالما لطبعهم طبع العاقل ولسواهم تسوية العالم ، كما أراد أن يكون السبع وثابا والحديد قاطعا والسم قاتلا والغذاء مقيما ، فكذلك أراد أن يكون المطبوع على المعرفة عالما والمهيأ للحكمة حكيما وذو الدليل مستدلا وذو النعمة مستنفعا بها ، فلما علم اللّه تبارك وتعالى أن الناس لا يدركون مصالحهم بأنفسهم ولا يشعرون بعواقب أمورهم بغرائزهم دون أن يرد عليهم آداب المرسلين وكتب الأولين والإخبار عن القرون والجبابرة الماضين طبع كل قرن من الناس على إخبار من يليه ووضع القرن الثاني دليلا يعلم به صدق خبر الأول ، لأن كثرة السماع للاخبار العجيبة والمعاني